التفتازاني

43

شرح العقائد النسفية

لما أن ذلك أليق بكمال التوحيد ، ولأنه لا دليل على تكثر كل منها في نفسها . فان قيل : هذه أقسام للكلام لا يعقل وجوده بدونها . قلنا : أنه « 1 » ممنوع ، بل انما يصير أحد تلك الأقسام عند التعلقات . وذلك فيما لا يزال « 2 » . وأما في الأزل فلا انقسام أصلا . وذهب بعضهم : إلى أنه في الأزل خبر ، ومرجع الكل إليه . لأن حاصل الأمر : اخبار عن استحقاق الثواب على الفعل ، والعقاب على الترك . والنهى على العكس . وحاصل الاستخبار : الخبر عن طلب الاعلام . وحاصل النداء : الخبر عن طلب الإجابة . ورد بأنا نعلم اختلاف هذه المعاني بالضرورة ، واستلزام البعض للبعض لا يوجب الاتحاد . فان قيل : الأمر والنهى بلا مأمور ولا منهى « 3 » ، سفه وعبث . والاخبار في الأزل بطريق المضي ، كذب محض يجب تنزيه الله تعالى عنه . قلنا : ان لم نجعل كلامه في الأزل أمرا ونهيا وخبرا ، فلا أشكال . وان جعلناه ، فالأمر في الأزل لايجاب تحصيل المأمور به في وقت وجود المأمور وصيرورته أهلا لتحصيله . فيكفي وجود المأمور في علم الآمر ، كما إذا قدر الرجل ابنا له ، فأمره بأن يفعل كذا بعد الوجود ، والاخبار بالنسبة إلى الأزل لا يتصف بشيء من الأزمنة ، إذ لا ماضي ولا مستقبل ولا حال بالنسبة إلى الله تعالى ، لتنزيهه عن الزمان ، كما أن علمه أزلي لا يتغير بتغير الأزمان . [ القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ] ولما صرح بأزلية الكلام ، حاول التنبيه على أن القرآن أيضا قد يطلق على هذا الكلام النفسي القديم ، كما يطلق على النظم المتلو الحادث . فقال : ( والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ) وعقب القرآن بكلام الله ، لما ذكره المشايخ من أنه يقال : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق . ولا يقال : القرآن غير مخلوق ، لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم . كما ذهب إليه الحنابلة جهلا أو عنادا ، وأقام غير المخلوق مقام غير الحادث ، تنبيها

--> ( 1 ) انه : ط . ( 2 ) لا يزال الكلام : خ . ( 3 ) ومنهى : خ .